أصلح … تصلح

اصلاح … فساد … كلمات لاقت ما لاقت من صدى من حولنا خلال الأشهر السابقة حتى ظن الواحد انه لن يسمع غيرهما و لمدة طويلة. و لكن إن حاولنا و لوهلة الوقوف بعيدا عن كل ذلك الضجيج و الكلمات اللمّاعة المحيطة بكلتا الكلمتين لنسأل انفسنا اسئلة محددة و بسيطة مثل: ما هو الفساد؟ و ما هو الإصلاح؟ و ما هو الإصلاح الذي ننشده و نطالب به؟ و ما هي المعايير التي نتخذها لانفسنا لتمييز المصلح من المفسد؟ كل هذه الأسئلة “البسيطة” بالظاهر و المعقّدة بالباطن تبين لنا واقعنا الذي نعيشه. منا من سيعطي اجابة لغوية ليبين ان فساد من فسد و عكسها صلح … الخ الخ. و منا من سيبدأ بشرح التبعات القانونية لكلتا الكلمتين و ان الفساد انواع قانونيا مثل سوء استغلال السلطة و ما الى ذلك و ان الاصلاح محاربة ذلك… الخ الخ. ز منا من قد يتجه الى المعاني الأخلاقية لكلتا الكلمتين و كيف ان الفساد بيّن كما ان الإصلاح بيّن… الخ الخ. و منا من قد يتوجّه الى تبيين ان الفساد انواع مختلفة فمنها الاقتصادي و منها السياسي و منها … و منها… و ان الاصلاح كذلك و تواليك. النتيجة و التي سنصل اليها ان كلمات كالاصلاح و الفساد نحمل المئات من المعاني و التوجهات المختلفة و اننا لا نتفق على معنا محدد لا للاصلاح و لا حتى للفساد.

فالفساد و بكل معانيه منتشر في العالم اجمع انتشار النار في الهشيم و مجتمعنا لا يختلف كثيرا عن باقي المجتمعات و لكن لندع باقي المجتمعات و شأنها و نتكلم عن مجتمعنا. ما قلته سابقا يدل اننا في مجتمعنا و ان طالبنا بالاصلاح و محاربة الفساد فنحن بنفس الوقت لا نملك معنى محددا لا للاصلاح و لا للفساد اي اننا نطالب بما لا نستطيع تحديده سوى مسمى الاصلاح و نطالب بمحاربة ما لا نستطيع تحديده ايضا سوى مسمى الفساد.

ان نظرنا الى واقع مجتمعنا الاردني لرأينا اننا و كغيرنا من المجتمعات نعيش الفساد يوميا. بل و حتى نعيش على الفساد يوميا.  حتى و ان كان الفساد درجات و ان منها ما كبر لدرجة مدهشة فعلا لو ضربنا مثلا قضية سفر شاهين و غيرها الكثير. و لعلي اتخذت هذه القضية بالذات لدلالاتها الكثيرة. فالرجل لم يخرج من البلد مختبئا داخل صندوق و مهربا عبر نقاط لا معلومة من الحدود بل قد خرج و من المطار و على ظهر طائرة معلومة الوجهة و هو موجود بتلك الوجهة الى الآن اما خروجه فباعتقادي كان لان القضية بحد ذاتها غير مقتصرة على شخصه لوحده و انه ان وقع فسيقع معه الكثير و الكثير من الرموز الموجودة حاليا  او التي كانت موجودة في يوم من الايام على الخارطة السياسية الاردنية و المرتبطة بالقضية بطريقة او بأخرى و لذلك فقد تمت عملية خروجه من البلد و بالطرق القانونية ( فمرّة اخرى اقول ان الرجل لم يهرب من البلد هروبا ) لاستخدامه ككبش فداء و تحميله كل اللوم و بكامل القضية من بعيد و دون الحاجة لوقوعه هو نفسه او من هو مرتبط بالقضية معه ” فالرجل حر طليق” و من هو مرتبط معه ايضا. و هكذا يمكن لوم الرجل على كل شيء مع تعذر محاسبته بنفس الوقت.

لا اريد ان ابتعد عن مضمون ما اريد الوصول له من تدوينتي بالتركيز على حيثية واحدة و لذلك ساقول و بالمختصر ان الفساد و الذي نلعنه ليل نهار و على الصفحات الأولى و العناوين الرئيسة موجود بيننا و فينا و بعلمنا و لكن بدرجات مختلفة. قلنا عن ما كبر منها اما ما صغر و هو الأهم فهو المطلوب التركيز عليه في هذه المرحلة ان كنا ننشد الاصلاح فعلا.

الاصلاح مطلوب و ضروري للقيام بالنهضه المنشودة لهذا البلد و لكن و قبل المطالبة به لا بد لنا من تعريفه. فعلى سبيل ضرب المثل لا الحصر ساقول كم منا يخالف قواعد السير و عندما يوقفه شرطي المرور يبادره مبتسما و محاولا درء المخالفة عن نفسه بطريقة او بأخرى فمصطلح “عالعافية يا قرابة” و امثاله لم يخلق عبثا في مثل تلك المواقف و غيرها الكثير؟ و كم منا عندما يواجه مشكلة لا حق له فيها يباشر بالبحث عن “واسطة” من ضمن قائمة الاسماء المحفوظة على صفحات “دفتر عناوينه” ممن قد “يدفش معاملته دفشة صغيرة”؟ و كم منا قد دخل الجامعة و تخرّج منها و يحمل شهادتها و هو لا يعرف من مواد خطته الدراسية الا اسماءها ؟ و كم منا يجهد في توسيع دائرة “علاقاته العامة” ( كما يسميها ) لاعتقاده بأنه سيأتي الوقت و الذي سيحتاج فيه كلّ واحد منها فيستبق ذلك الوقت بتبادل الخدمات معهم و على مبدأ “حكلّي بحكّلك”؟ الاسئلة كثيرة و لا تعد ولا تحصى و لكن ان اجبنا على كل منها بصدق و “شفافية” لرأينا اننا كلنا فاسدون و مفسدون لكن بحسب مراكزنا و مواقعنا الاجتماعية و قدرتنا على الفساد من عدمها “فالنية موجودة”.

 { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} البقرة:44. ابدأ بنفسك و اصلح نفسك تصلح الدنيا من حولك. فكيف بالدنيا تصلح من حولك و انت لها مفسد. ان اصلحنا انفسنا لأمكننا ان نسير في مسيرة الإصلاح من بعد ذلك فالناس من حولنا و تلقائيا سيصلحون انفسهم عندما يتخذوننا مثلا و عندها سيصلح المجتمع. فالسؤال المهم هو اننا ان كنا ننشد الاصلاح و ننادي باجتثاث رؤوس الفساد فهل سنجد بديلا “صالحا” و مصلحا مكان من هو برأينا مفسد ؟

ان وصلنا الى مرحلة نكون فيها بموقف نقع فيه بين خيارين إما ( فساد ) فيه “منفعة شخصية” على حساب الغير أو ( صلاح ) فيه تقديم مصلحة المجتمع على المصلحة الشخصية و مع ضمان غياب الرقابة “الدنيوية على الأقل” و اخترنا ما فيه صلاح و بقناعة تامة عندها فقط يمكننا ان ننام قريري العين فنحن نسير على الطريق الصحيح. انا و انت و هو و هي و نحن … نواة المجتمع فينا صلاحه و فينا فساده. نحن قاعده هذا الهرم فلم ننساها و نبدأ من فوقها عند مطالبتنا بالصلاح ؟

انا لست ضد اي من الحركات و الاتجاهات الوطنية الشريفة المطالبة بالاصلاح لما فيه فائدة للوطن و المواطن و لكنني لست مع ان نمسك جزئية صغيرة من الاصلاح و ننسى اهم ما فيه. ثم ان اي اصلاح ننشده لن يكون لحظيا او آنيا بل سيستغرق منا الكثير و الكثير من الجهد و الوقت فعلينا اذا ان نبدأ به من جميع الاتجاهات و بالبداية الصحيحة لكي لا نصل الى مرحلة بعد بذل كل ذلك الوقت و الجهد لندرك بعدها ان بدايتنا كانت خاطئة.

ثم إن اي اصلاح نطالب به يجب ان يشمل البذرة الأهم للإصلاح و هي القطاع التعليمي. فواقع القطاع التعليمي في وطننا من السيء الى الأسوء بل هو على شفى حفرة من الأنهيار فكيف بنا و نحن نراقبه و هو ينهار و لا نحرك ساكنا. فيجب علينا اعادة هيكلة القطاع بأكمله و اتخاذ كل الإجراءات المطلوبة من اعادة النظر في مناهجه الأكاديمية من مرحلة ما قبل الإبتدائيَة و حتى مرحلة الدراسات العليا ، و اتخاذ نظرية شمولية لمن يحملون رسالة العلم و يمنحونها لأجيال قادمة من مدرسين و معلمين و اهليّتهم لحمل هذه الرسالة و في جميع المراحل الدراسية فوالله انه من المبكي ان اقابل مدرسا في الثانوية العامّة و في مادة لغتنا الأم اللغة العربية ممن لا يعرفون اعراب الحال من النعت بل و المبكي اكثر ان يكون ذلك ال(معلّم) حاملا لشهادة الماجستير. حتى جامعاتنا فليست بعيدة عن مأساتنا التعليمية. و ما قيل عنها اوفى من ان اطيل الحديث عنها.

ان فعلنا ذلك فلعلّنا نخرج من طور الاستهلاك الى طور الانتاج يوما ما. و ذلك كله ان بيّن فإنه يبيّن اننا بحاجة الى الانتظار 16 سنة على الأقل بانتظار جيل يتخرج من منظومتنا ال يحمل رسالة الإصلاح بطريقها الصحيح.

و بالنهاية و للاختصار اعود و اقول انني لست ضد كل هذه الاصوات الشريفة المنادية بالاصلاح بل على العكس تماما فأنا من اشدّ المقتنعين بحاجتنا للإصلاح في هذا الوقت الحرج بالذات و لكن ايضا احسست بانه وجب على التنويه اننا ان اردنا اصلاحا كان لا بد بنا من تناوله بكامله لا ان نفصّله جزيئيات كما نريد و ان نبدأ بأنفسنا اولا “فالكيَس من دان نفسه” و أصلح نفسك تصلح الدنيا من حولك.

Advertisements

14 تعليق

Filed under Amman, Fazlakat, Jordan, قضايا شعبية, مقالات, الاردن

14 responses to “أصلح … تصلح

  1. لابد ان نصلح من انفسنا اولا ثم نقوم باصلاح الناس المدونة رائعة والكلام جميل اتمنى لك النجاح …

  2. مدونة رائع ومقال جميل جدا وموضوع رائع وحقا لابد من اصلاح انفسنا اولا ونغير انفسنا اولا ثم نطالب الناس بالتغير …

  3. مقال رائع ومدونة ممتاز شكرا لك وبالتوفيق …

  4. اللهم اجعلنا من المصلحين – امين يا رب

  5. دا وموضوع رائع وحقا لابد من اصلاح انفسنا اولا ونغير انفسنا اولا ثم نطالب الناس بالتغير …

  6. مقال رائع فعلا ، لابد ان نبدا بانفسنا

  7. موضوع اكثر من ممتاز

  8. معلومات اكثر من رائه فى ميزان حسناتك

  9. راااااااائع جدا

  10. مشاء الله الف شكر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s