بدي احجّ و الناس مروحة … اقليميا

بعد غياب ليس بقصير لي عن المدونة و التدوين لظروف مختلفة لم تبعدني كثيرا عن الاحداث الاقليمية و المحلية المتصاعدة و المتسارعة هنا و هناك لارجع منهكا  من كثرة ما يدور بعقلي المتواضع من محاولات تفسير و تحليل للوضع الراهن قبل ان اكون منهكا من الظروف المختلفة على مر الاسابيع السابقة.

لربما اكون قد نأيت بنفسي بعيدا عن الخوض بما يحدث على الساحة العربية حتى لا اوضع في خانة “التخوين” و اعنون تحت مبدأ “اما معي او علي” ثم لأظل مراقبا لمدة كافية حتى اخرج ببعض الاستنتاجات الخاصة.

ولكن قبل ان ابدأ لا بد لي من توضيح بأني لست منحازا لطرف على حساب طرف آخر و لكن يمكنني القول بأنني ارجح لغة العقل على لغة العاطفة و ان نقدي لجهة ما لا يعني بالأحرى بأني ادافع “او محسوب على” الجهة المقابلة.

يمكنني ان ابدأ بالقول بأننا كعرب اصبحنا شعوبا ( لا شعبا ) فزعوية نعيش على ردّات الفعل المؤقتة و المحدودة النطاق من كل النواحي الفكرية و العاطفية. و ان تجربتنا المعيشية على مدى قرن من الزمان ان اسفرت فقد اسفرت عن قصر نظر و و ضيق في افق التفكير.  ردات الفعل المؤقتة هذه و التي تستغرق بعض الوقت ثم لا تلبث ان تخفت حتى تكاد تختفي بعد ان ننال حصتنا من المسكنات القوية و التي دائما ما تنجح الجهات التي تتحكم بسير الأمور في حياتنا الخاصة و العامة بإعطائنا اياها و بجرعات كبيرة و التي اعتدنا على اخذها على مدى اكثر من قرن مضى حتى ادمنّاها فما عدنا نعرف عيشا بدونها حتى نعود لحالة الكسل و الغياب عن الوعي دون النظر لما حققناه و ما لم نحققه خلال مدة هذه ( الفزعة).

ثورة تونسية. ثورة مصرية. ثورة ليبية. ثورة يمنية. اضطرابات بحرينية… جزائرية… عمانيّة…سوريّة… الخ. ذلك ما شهدناه على مدى الاسابيع السابقة. احداث قادتها و تقودها نوعيتنا و طبعتنا الفزعوية. و حتى اكون واضحا في طرحي اعود و اشدد على انني لا اقلل من اهميّة الاحداث و لا اجلس مجلس المعارض منها ايضا و لكن لي مآخذي على تلك ما اخذته مجريات تلك الاحداث. فالاحداث على اهميّتها تعد نقطة تحوَل جوهريَة في خارطة المنطقة السياسية و الاجتماعية و لكن و لنوعيتنا الفزعوية فمن الممكن ان نكون قد نسينا ان نربط بين ما كان في القدم و ما هو كائن اليوم و ايضا ما يمكن ان يكون في المستقبل ( او بالأحرى ما وضع من خطط لما يمكن ان يكون ).

لا يختلف اثنان على ان انظمتنا العربية المتهالكة و التي ظلت تحكم شعوب منطقتنا بيد من حديد مستغلّة الدعم الخارجي لها و غياب اي دور معارض او فكر مقابل يمكن ان يقف بوجهها و ذلك لأن تلك الانظمة اعتادت على دفن ايّ من تلك الجهات و منذ نعومة اظافرها حتى لا تجد لها مناصرا و حتى تكون عبرة لمن يعتبر. ذلك الدعم الخارجي و المتولد عن طريق اشعار هذه الأنظمة بأنها مهددة بالزوال لولا ذلك الدعم الذي تتلقاه من تلك الجهات. ذلك الدعم و الذي يولد التبعية يعطي الحق لتلك الدول بالتدخل في اخص شؤوننا الداخلية اذ انّها تعد سابقة تاريخية ان نرى شؤونا محلية تناقش في برلمانات دول اجنبية. قمن اعطى الحق لتلك الدول بالتدخل بشؤوننا الخاصة؟ ذلك التساؤل يدفعنا الى الاستنتاج ان انظمتنا و بتبعيتها للجهات الخارجية اصبحت هي صاحبة “الاجندات الخارجية” لا من يقف بوجهها.

قد تكون تلك الاستنتاجات و توسعها لدى العامّة من الشعوب العربية هي ما ادت في النهاية الى الى شعور تلك الجهات الخارجية بأن هذه الأنظمة قد اصبحت منتهية الصلاحية و لا تخدم مصالح تلك الجهات بعد الآن و لذلك فقد آن آوان تبديلها.

الغوغاء : هؤلاء الذين لا عبرة بهم. قال الأصمعي : والغوغاء الجراد اذا ماج بعضهم في بعض وبه سمي الغوغاء من الناس . وقال أخر : هم الذين اذا أجتمعوا غلبوا ، واذا تفرقوا لم يعرفوا .

نعم ، نحن الغوغاء. تلك القوة الخفية و التي ان نجحت جهة ما باستغلالها كان لها ما ارادت من نتائج. الفوضى الموجهة و استهداف اللاوعي و تأجيج العواطف كانت الطريقة. اما النتيجة فلم تنقشع عنها غيمة المجهول حتى الآن.

نعم، انا مع ان كل ما حدث و ما يحدث هو نتيجة تخطيط مسبق و ذلك لارجاعنا الى حالة التبعية الإرادية للجهات الخارجية بارادتنا و نحن مبتسمون و فرحون ملء فوهنا و ذلك باستبدال هذه الأنظمة بأنظمة اخرى ذات شعبية جماهيرية و بنفس الوقت تحمل ذات التبعية القديمة. تتغير الوجوه و لكن تبقى النتيجة واحدة.

هنا وجب على الوقوف قليلا و ذلك لاستباق الردود المحتملة على ما قلت سابقا. هناك من سيقول ان عفوية ما حدث تتناقض و كلامي؟ و هنا اقول بان ما حدث و ما يحدث لم يكن و ليس عفويا فنحن العرب كل منا قد نصّب نفسه زعيما على نفسه و لا نقبل ان نوجه بطريقة مباشرة و لذلك كان استخدام ما ذكرته سابقا من توجيه باللاوعي و بتأجيج العواطف لدي الشارع العربي. الشارع العربي و الذي قضى قرنا مهضوم الحقوق لديه القابلية لاستغلال ذلك الجانب لتوجيهه بطريقة قد يظن انها من تلقاء نفسه و بكامل حريّته و لكن للأسف فانها تنزل منزل الفوضى الموجهة. و من هنا جاء استخدام التكنولوجيا الحديثة و التي لا تؤمن بحدود او اقليمية و لكنها بنفس الوقت و للأسف تابعة هي الأخرى “للجهات الخارجية” و “الأجندات الخارجية” فمع فيديو يبين الظلم الذي يعيشه الشارع العربي من هنا و اغنية عن الحرية من هناك و دعوة لكسر حاجز الصمت من مكان اخر و بزخم غير مسبوق تأججت المشاعر و العواطف و برزت عندنا قوة “الفزعة” ففزعنا. ذلك الاستنتاج لم يبرز عبثا فلو اعتبرنا ان وسائل التأثير على الشارع العربي كانت عن طريق الشبكات الأجتماعية المختلفة و بنفس الطريقة كل مرة و ان تلك الشبكات هي من اتاحت لنا الطريق نحو الحرية لناقضنا نفسنا. فلو ان الجهات الخارجية شعرت بخطر مما يدور داخل تلك الشبكات لما وقفت مكتوفة اليدين فكيف يتم الغاء “صفحة الانتفاضة الفلسطينية الثالثة” باعتبارها خطرا محدقا بكيان الاحتلال و فتح الباب على مشراعيه امام كل الصفحات الاخرى المنادية للثورات و الاحتجاجات ان كانت تلك الثورات تشكل خطرا على الجهات الاجنبية الخارجية و تخرجنا من حالة التبعية لها ؟

ان اختيار التجربة التونسية كتجربة اولى لم يكن عبثا. اذ ان الوضع التونسي الخاص ( دولة لديها اعلى نسبة من المتعلمين في المنطقة بالنسبة لعدد السكان و بنفس الوقت فنسب البطالة بين هذه الشريحة المتعلمة تعد الأكبر ايضا و ايضا من تجبّر النظام الحاكم هناك ” على المكشوف” ) مع اجتماع كل هذه الخصائص و التي تؤدي بالنهاية الى “ثورة” ناجحة بالمقاييس المطلوبة ( حسب رغبة من ارادها ) كان من السهل التأثير على الغالبية العظمى من الشارع التونسي و توجيههم باللاوعي لتحقيق المطلوب و هو تغيير النظام الذي ما عادت له فائدة. ان نجاح الثورة التونسية لا يعد بالضرورة خسارة للقوى الخارجية ( فلنيل المراد لا بد بالتضحية قليلا ) و ذلك ما حدث بابراز التجربة كتجربة ناجحة بكل المقاييس ( مع ان لسان حال الشارع التونسي قد يبين ان الشعب لم يكسب الكثير سوى الازاحة بالنظام ) و لكن ان قلنا جدلا ان التجربة التونسية هي تجربة ناجحة فذلك هو المطلوب و ذلك لاستنساخها على الانظمة المجاورة و المختلفة و بنفس السيناريو و طريقة الاخراج.

ان عرجنا قليلا على التجربة المصرية و جدنا انها كانت “نسخة كربون” عن التجربة التونسية بالطريقة و المضمون و النتائج. ( تغيير الوجوه ) … و هذا ما يحدث الآن في بقية دول المنطقة و التي تجتاحها الاضطرابات.

ففي مصر لا يمكننا القول ان الثورة قد نجحت حتى الآن ان اخذنا بعين الاعتبار ان الفساد قد كان مستشريا في كافة انظمة النظام السابق فلى يعد نجاحا تغيير رؤوس ذلك النظام و ترك من كانوا يقبلون اياديهم صباحا مساءا و من قاعدة الهرم الى اعلاه. فتغيير رأس الهرم لا يغير جميع من شربوا الفساد شربا حتى ادمنوه فان جئنا برأس هرم اخر و ابقينا على قاعدته لاصبح الفساد واحدا مع تغيير الوجوه. و لا يعد خروج مجموعة من الشباب لتنظيف الشوارع نجاحا لثورة. ان الشعب المصري الى الآن ما زال يتغنى بنجاح ثورته حسب اعتقاده و لم يصدم  بعد – و كلي امل انه لن يصدم ان تمكن من محاربة ما يخطط له بالشكل الصحيح – بحقيقة ان شيئا لم يتغير و ان الثورة لم تجتث الفساد من جذره و انها لم تنتج فرص عمل تحميهم من الغربة بحثا عن لقمة العيش و انها لم و لم و لم…

و بالقياس يمككنا الحديث عن باقي تجارب المنطقة…

كل ما سبق ليس لشيء الا لاننا كعرب  ما زلنا “غوغاء” لنا قوة لا نعطيها حقها لغياب التنظيم عنا. فغياب التنظيم و القيادة الواعية هو ما جعل منا فوضى موجّهة و رغبتنا بالتغيير اللحظي و الآني هي ما جعلتنا لا نحقق ما نريد – مع ان التغيير الحقيقي ان بدأنا به الآن قد لا نرى نتائجه في حياتنا بل نكون قد ارسينا أسسه لأجيال لاحقة – و من هنا اظن انه قد آن الأوان على كل من آمن بثورته للخروج من حالة النشوة و الجلوس قليلا لدراسة كل ما حدث و ما انتجته تلك الثورة و من ثم التخطيط الدقيق للمرحلة القادمة و التي سوف تحدد ان كانت كل تلك الثورات ناجحة ام افشلت بلحظتها.

ايضا هنا وجب على الوقوف قليلا لتوضيح ما اريد الوصول له بالقول انني لست ضد الثورات و نداءات الحرية في منطقتنا العربية و انني لست مؤيدة للأنظمة التي تجرعت شعوبها الظلم والهوان على طول الفترة السابقة اذ انني من اشد المؤيدين لضرورة تغيير هذه الأنظمة و الخروج بنا من مأساة التبعية الخارجية و لكنني من متّبعي مبدأ “لا يفل الحديد الا الحديد” مبدأ ان آمنا به  كان لنا ما اردنا. فعلى اعتبار ان الفوضى موجهة و انها ان تابعت طريقها الى ما هو مخطط لها لعدنا الى نقطة الصفر و لتجرعنا الهوان و الظلم لازمنة عديدة قادمة و لذلك وجب علينا ان نحاربهم بسلاحهم بأن لا نعطيهم مرادهم بوعينا و ادراكنا لما يحدث من حولنا.

فالفكرة و التي قد خرج من اجلها الملايين في صالحنا و يجب علينا استغلالها و ذلك بجلوسنا من انفسنا قليلا و الاعتراف بان الاصلاح يجب ان يبدأ من الذات قبل الغير اتباعا ل ” اتأمرون الناس بالبر و تنسون انفسكم ” و اننا يجب ان نكون مصلحين لأنفسنا و محاربين ذلك الفساد المتشعب بداخل كل واحد فينا ، فساد اعتدنا العيش عليه حتى ما عدنا ادركنا انه فساد اصلا.

و من ثم وجب علينا ان نتخلص من طبيعتنا الفزعوية و عادة ان نسكن و نرتاح بعد الوصول لأول الطريق على اعتبار اننا قد وصلنا الى مبتغانا. ثم بأن نحدد ما نريد و ننظم انفسنا قليلا حتى لا نعود غوغاء.

فان اصلحنا انفسنا و نظمنا جموعنا و عرفنا من اين بدأنا و الى اين سننتهي عندها فقط نكون قد حققنا ما نريد. فالشعوب – و حتى تلك التي تظن انها قد نجحت بثورتها – هي من ستحدد الآن ان كانت ثوراتها قد نجحت او فشلت و ذلك بعد ان تكون قد جلست قليلا مع نفسها مؤمنة بأنها حتى الآن لم تحقق الا اقل القليل مما وجب عليها ان تحققه ثم لتتدارس ما الذي حققته في الحقيقة و ما الذي لم تحققه بعد و من هنا تبدأ مرحلة الاصلاح. اصلاح يجب ان يبدأ من الذات و الفرد و الذي هو قوام المجتمع بأكمله و خليته الاساسية  و التي ان صلحت صلح المجتمع كله و من ثم ترسم الخطوط العريضة و التفاصيل الدقيقة لما يجب فعله في المرحلة اللاحقة حتى لا تعطي “الجهات الخارجية” ما تريد من ثوراتها. ان فعلت كل ذلك عندها وجب عليها التمسك بما تريد بحيث لا تقبل بجرعات المسكنات بعد الآن بل وتقف مطالبة و مصرّة على مطلبها حتى تنال آخر قطرة من حقوقها. و بالنهاية يجب عليها معرفة ان الطريق طويلة و ان النتائج ليست آنية ولا لحظية فلا تدع لليأس مدخلا يدخل منه الى نفسها حتى تثابر على الطريق السليم.

عندها فقط يمكننا القول بأننا على اول الطريق نحو نجاح تلك الثورة.

Advertisements

تعليق واحد

Filed under Fazlakat, مقالات, مقالات سياسية

One response to “بدي احجّ و الناس مروحة … اقليميا

  1. يختلف اثنان على ان انظمتنا العربية المتهالكة و التي ظلت تحكم شعوب منطقتنا بيد من حديد مستغلّة الدعم الخارجي لها و غياب اي دور معارض او فكر مقابل يمكن ان يقف بوجهها

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s