نزيهة و شفّافة … وواقعنا المؤلم

لم اكن يوما ممن يستبقون الاحداث او يحكمون على الامور قبل وقوعها  بل تعودت على الجلوس و تأمل و دراسة الأمور من كافة النواحي التي تترائى الى عقلي ولذلك لم اكن يوما ممن يدعون الى مقاطعة الانتخابات ولا ممن يشجّعون على المشاركة بها بل انتظرت حتى أرى الامور من عدة مناظير و حتى اتمعّن في مجريات الأمور التي سبقت و عاصرت بل وجاءت بعد حدوث الحدث  و ربما هذا ما أخّرني الى الآن حتى ادلو بدلوي بخصوص موضوع الانتخابات.  لكن على الأقل يمكنني القول انني قد استمتعت بأخذ قسط طويل من النوم في اليوم التاسع من الشهر الحادي عشر من هذا العام.

كغيري – او على الأقل هذا ما افترضه – تولدت لدي بعض القناعات الشخصية و الصور العامة لموضوع الانتخابات النيابية – و ان اختلفت نظرتي عن غيري. نظرتي الشخصية كانت بعدم جدوى الانتخاب ، حتى و ان كنت ممن دعا دوما لضرورة التغيير. كنت و منذ الاعلان عن حملة ( صوتك حاسم )  و اطلاق شعار ( سمعنا صوتك ) قد كتبت تدوينة برأيي الخاص ( هنا ) عن حكومة اعتادت سماع ما تريد و غض البصر عمّا سواه.

على كل حال لن اخوض بما سبق و لكنني ساسهب بكل ما تبادر الى ذهني في الفترة السابقة و حتى اليوم و من اكثر من ناحية.

اول ما تبادر الى ذهني و منذ قدوم حكومة دولة رئيس الوزراء سمير الرفاعي و التي قدمت قانونا “مؤقتا”  للانتخابات في 18-5-2010 و الذي احتاج من الحكومة الجهد الجهيد للخروج بتفسيرات ملتوية له لتقديمه على انه القانون الأمثل للانتخابات على طول مسيرة المملكة الديموقراطية و رغم تعالي الاصوات المعارضة له و القائلة بغير ذلك بل الاصوات التي لم تقتنع بذلك القانون مطالبة بتفسير افضل له. اكتشفت انه لا فائدة من الانتخاب. فما فائدة الانتخاب بقانون يتيح للحكومة التلاعب بالمقاعد بحسب ارادتها و ذلك بضمان معرفة ثلثي اعضاء المجلس حتى قبل ان تتم عملية الانتخاب تحت مظلة ما يسمى بالدوائر الوهمية. اي ان مجلس نوابنا اصبح يعيّن تعيينا من قبل الحكومة و بطريقة مشبَهة بالديموقراطية. و لعل تفسيري الخاص كان بان الحكومة ارادت الحيد عن مخاطر قدوم مجلس نواب معارض لسياستها مما يوخر خطتها المرسومة مسبقا و المعروفة للجميع على غرار ال 39 قانونا مؤقتا التي صاغتهم الحكومة حتى اللآن. ربما للهروب من تاريخ قديم لحكومة سابقة ترأسها دولة الرئيس مضر بدران سنة 1989 عندما حصلت احزاب المعارضة على اكثرية المجلس و بالتالي حدّت من حريّة الحكومة المطلقة آنذاك.

منطقيا – على الاقل بالنسبة لي – فان قول الحكومة بان انتخابات 2010 سوف تكون نزيهة و شفافة هو قول منطقي بكل ما تحمله الكلمة من معنى و ذلك لان الحكومة قد ضمنت ولاء ما يصل الى ثلثي اعضاء المجلس و كأنها عيّنتهم تعيينا و بالتالي فقد ضمنت اقرار و تمرير ما يزيد عن الثلاثين قانونا مؤقتا ينتظر موافقة مجلس نواب عليهم و من ضمنهم قانون الانتخابات الذي افرز المجلس و حتى غيرها من القوانين التي سوف تطرح على مدار الايام اللاحقة. اذا فلا داعي لتدخل حكومي مباشر بالانتخابات مما يدفع بالحكومة الى الاعلان على انها انتخابات نزبهة و شفّافة بلا تدخل مباشر من قبلها.

لعل السبب الثاني لقناعتي بعدم جدوى الانتخاب كان غياب العديد من جهات المعارضة بسبب مقاطعتها للانتخابات ( و هنا يجب الوقوف على التصريحات المضحكة التي انطلقت لتقول بأن  الدعوة لمقاطعة الانتخابات هي دعوة غير قانونية و لا دستورية و مع ذلك فان كل تلك الدعاية الانتخابية للدعوة الى المشاركة بالنتخابات و التي قامت بها الحكومة تعد دستورية. اذكر تصريحا حكوميا قبل ساعات من موعد الانتخابات يقول بما سبق مع زيادة ( و لن نجبر احدا على الانتخاب )، المضحك بالموضوع هنا امران اثنان اولهما كيف ان الحكومة قد نصبّت نفسها مفسرا للدستور لتخبرنا بما هو دستوري و غير دستوري بعيدا عن كل دارسي القانون الموجودين في بلدنا و الذي كنت اتمنى ان يخرج احدهم ليخبرنا بالمرجعية الدستورية التي اعتمدت عليها الحكومة لتبتّ بعدم دستورية الدعوة لعدم الانتخاب و دستورية الدعاية التي تحث على الانتخاب. الامر الثاني و هو ان الحكومة كانت تهدف لتجميل الصورة الديموقراطية للاردن بالقول بانها تسعى للخروج بتجربة ديموقراطية لم يسبق للاردن المرور بها من قبل و لكن في نفس الوقت فقد قامت بمحاربة اولى ركائز الديمقراطية القائل ب ( حرية التعبير عن الرأي ). بعبارات اوضح ما اقصده هو ان كانت الحكومة قد اعطت لنفسها حرية التعبير لتقوم بتفسير قانون الانتخابات الجديد و تجميله بعون الناس و ايضا بالدعاية الضخمة التي حثت الناس على المشاركة بالانتخابات على انّها تجربة ديمقراطية نزيهة و شفّافة فقد كان بالاحرى بها ان تثبت حسن النوايا على انها تسعى لترسيخ مباديء الديمقراطية و اعطاء الآخرين حقهم بحرية التعبير حتى و ان خالفوها الرأي.)  اي انه ما فائدة مجلس نواب يخلو من صوت معارض اذ ان اتخاذ اي قرار مهما كانت درجة اهميته لا بد ان يحتمل اكثر من وجهة نظر . فان غابت وجهة النظر المعارضة فكيف ستناقش تلك القرارت ان كانت اغلب الاصوات تعتبر مؤيدة و موافقة لوجهة نظر واحدة الا و هي وجهة نظر الحكومة. و ما فائدة مجلس نواب قوامه (مجموعة من البصّيمة) اي من هم على استعداد لل(بصم بالعشرة ) على اغلب القرارت الحكومية حتى دون مناقشتها.

كل ما سبق يأتي من ناحية واحدة الا وهو اسقاط اللوم على الحكومة بشكل عام. و لكن ولكي نكن واقعيين بعض الشيء فان اللوم الاكبر يقع على عاتقنا نحن المواطنين او بالاحرى ( الاغلبية الصامتة ) اذ ان الوعي الساسي لدى اغلبية الشعب الاردني يعتبر شبه معدوم. فمنذ البدء بعملية الدعاية الانتخابية للمرشحين تبيّن لدي مدى فجاعة المشهد السياسي الاردني. بدءا من نوعية اغلب المرشحين – و هنا لكي لا يفسّر قولي بطرق اخرى اقصد ان المجلس النيابي الاردني هو المسؤوول الاول عن مناقشة اغلب القضايا و الامور الجوهرية و المصيرية في ظل الظروف الراهنة و تحت الاخطار المتعددة المحيطة ببلدنا. و هذه القضايا تتعدى مجرد الحديث عن ارتفاع سعر جرّة الغاز و كيلو البندورة تحت قبة البرلمان. فهل ممن رأينا لافتاتهم تحيط بنا من كل اتجاه من هو مؤهل للخوض بتلك الامور و مناقشتها بموضوعية و دراية؟ –  بل و تعدى ذلك نوعية الدعاية الانتخابية ، فما ان جبت بضع مناطق حتى تبين ان اغلب لافتات المرشحين تقتصر على ( الاسم الكامل للمرشح والذي يحتل نصف الى ثلاث ارباع اللوحة ) و ( صورة المرشح على ما بقي ) مع بعض ( طلبات الفزعة و الثقة و المناشدة … الخ ) ثم و بالنهاية و بالخط الصغير الذي يشبه اعلانات السلع الى حد كبير حيث يتم ادراج عبارة ( الاسعار غير شاملة لضريبة المبيعات بخط كاد ان يكون غير مقروء بتاتا) نرى الشعار ات الانتخابية المستهلكة و التي تستعمل كل مرة و بنفس الاسلوب و الطريقة. طبيعة الدعاية الانتخابية تبيّن الى حد كبير طبيعة الحياة السياسية الاردنية اذ ان المرشحين انفسهم ما كانوا ليقوموا بعمل تلك الدعاية الى لعلمهم ان المواطن – على الاغلب – سينتخب إمَا على الاسم (الكامل ) و على الصورة او فقط لينتخب. او باعتبارنا شعوبا فزعوية نهبّ لل (فزعة ) نصرة لمرشح على مرشح اخر بغض النظر من الأجدر بالمنصب. بعض المرشحين اعتمد على المثل القائل ( طعمي الفم بتستحي العين ) و لذك اتبعوا مبدأ مد الموائد و اسلوب (المخاجلة ) لكسب التاييد.

مما سبق نرى ان المواطن ملام و بشدّة لاتاحة الفرصة امام من يستحق و من لا يستحق بتنصيب نفسه نائبا ( فهمانا ) و الآن و بعد ان انتهت الانتخابات و بدأ المجلس النيابي الجديد دورته بامكاني ان اقول بأنني مرتاح جدا لعدم الانتخاب و بدون ندم. اذ ان الاحداث التي حدثت اثناء الانتخابات و بعدها توضّح و بشكل واضح ان الحياة الديمقراطية الاردنية لا زالت بحاجة الى الكثير الكثير من العمل. و ان المواطن الاردني بحاجة الى ان يفتح عينيه على الحياة السياسية و بشكل اوعى. مع ان الوعي السياسي من الممكن ان يكون قد بدأ برؤية النور لدى مواطننا الاردني و ذلك من خلال النسب المعلنة عن المشاركة بالانتخابات. 53% ليست بتلك النسبة العظيمة و ان حاولت الحكومة تعظيمها. عند العلم بأن من يحق لهم الانتخاب بالمملكة يقارب عددهم الاربع ملايين و نصف مواطن و ان من سجل منهم في الكشوفات ما يقارب النصف و ان نسبة المشاركة ايضا قد قاربت على النصف اي ان المشاركين لا يتعدون ربع من يحق لهم الانتخاب  و ذلك اما لعدم اهتمام بالحياة السياسية و جهل و لامبالاة او لوعي سياسي لدى المواطن بما يجري من حوله و رداءة قانون الانتخاب الجديد…. و كلا الاحتمالين وارد.

الاحداث الاخيرة التي اجتاحت بعض مناطق المملكة مع الاصوات الكثيرة التي تعالت بحدوث عمليات غش و انتهاكات مختلفة بل و احداث عنف راح ضحيتها ابرياء يجب ان تدرس و يوضع تحتها خط احمر عريض. اذ ان عدم التدخل الحكومي نتيجة لضمان الحكومة لاغلبية موالية قد اتاح المجال امام تدخلات من نوع آخر من قبل المرشحين انفسهم و من نذروا انفسهم للوصول الى قبة البرلمان بأي طريقة مشروعة و غغير مشروعة و كأن النيابة تشريف لا تكليف. كل ذلك يعتبر من باب تقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة …. كثير من اولئك النواب قد وصلوا بالفعل الى قبة البرلمان. و مع وجود كثير من الدلائل و الادلة التي تقول و تددل على ذلك الجرم و بيع الضمائر. فلا ادري كيف بنا كشعب اردني بان نقبل بنواب قدموا مصلحتهم الشخصية على المصلحة العامة مما يدلل على عدم قدرتهم مناقشة ( المصلحة العامة و القرارات المتعلقة بها ) في حال ان كانت تضر بمصالحهم الشخصية.

الايّام القادمة ستبيّن للجميع نوعية مجلس نوابنا القادم فإمّا ان يكون قد بدأ بتجهيز الاختام للموافقة و اعلان الولاء التام للحكومة و قوانينها بدون مراجعتّا بموضوعية او ان يكون مجلسا ناجعا و ناجحا للنهوض ببلدنا نحو الافضل و الصمود بوجه التحدّيات الكثيرة التي تواجهنا.

راجين من الله ان يكون الاحتمال الثاني هو الصحيح.

و حفظ الله الاردن. و كان الله بعون الجميع.

Advertisements

تعليق واحد

Filed under Amman, Fazlakat, Jordan, مقالات سياسية, الاردن

One response to “نزيهة و شفّافة … وواقعنا المؤلم

  1. التنبيهات: Tweets that mention نزيهة و شفّافة … وواقعنا المؤلم « Fazlakat – Jordan… فزلكات – الأردن -- Topsy.com

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s