ابيض و اسود … و الرمادي ضايع

المراقب للوضع العام للشعب الاردني يجده من الغرابة بما كان ليضعك في طور الدهشة و الاستغراب “بيلخمك”. كعادتي في كل صباح اتصفح صفحات الجرائد اليومية ( لكوني متفزلك .. لازم يعني.. ما تدققوش ) لأجد فيها ما هب و دب من الاخبار المختلفة من سياسية ( كش برا و بعيد ) و اجتماعية و ثقافية … الخ و مع الزمن تكونت لدي قناعة بأن المقالات هي نفسها التي تتكرر و لكن مع اختلاف العناوين. فطبعا يجب ان يكون هناك خبر عن ارتفاع سعر سلعة معينة و خبر آخر ( مع الاسف ) عن مصيبة ما قد حصلت من جريمة او حادث او سرقة او مشاجرة او انهيار .. الخ. ثم خبر يلحقه كاريكاتير عن الوضع الاجتماعي و الاقتصادي المتردي للمواطن و ما يلحقها من تقارير و دراسات … الخ. ولكن ما يلفت النظر ان شعبنا العزيز لديه من التناقضات ما كبر منها و ما صغر “يعني يا ابيض يا اسود… ما في مكان للرمادي”.

فاليوم لم يكن كباقي الايام. لعل السبب انني و لاول مرة ادفع نفسي لمراقبة الشارع العام و التفكير بما يدور به من تناقضات.

لعل من اكثر ما صادفني اليوم كان المرور ببعض التجمعات “الشلل” هنا و هناك فتجدهم “على السور القصير” او “مقرمزين” على الرصيف او “حوالين دكانة ابو العبد” مع “دخان فرط” و علبة “بيبسي” على الداير. و ما اسرع ان تتخلل اذناك اصوات ضحكاتهم المتعالية علوا واضحا. “يا عمي الشعب عنا شعب “فكاهي” و “مرح” و “مبسوط” و الله يبسطه بزيادة يا رب”.  انا بطبيعتي لمن لا يعرفني انسان مبتسم في اغلب الاوقات و بوجه من اعرفه و من لا اعرفه. و كالعالدة مررت مبتسما بالقرب من “شلة” من “الشلل” لافاجأ ب”سنحهم” تنقلب انقلابا تاما  ترقبا للقادم الغريب “فسبحان مغير الاحوال”. و ما كان مني عندما مررت بجانبهم الا ان ابتسم لعلي اشتت ما تكون من غيوم سوداء فوق رؤوسهم لأصدم و أسمع جمل مثل “في اشي بظحك ابو الشباب؟” و “شكلك مظيع بريزة هون؟” يعني ال”كشرة الاردنية المشهورة” رجعت عالساحة. و كأن لسان الحال اليوم يقول “تبسمك بوجه اخيك… جريمة” و “هيبتنا … بكشرتنا”.

و من عادتي ايضا ان امر على احد المقاهي لارتشاف “فنجان قهوة” و لكن اليوم لم يكن كباقي الايام نظرا لتحسن الاحوال الجوية. كان المقهى يكتظ بالزوار فتجد ال “Couples” متوزعين على الطاولات بشكل يجذب الانتباه. “يا عمي… شعبنا مرهف الاحساس و العواطف” خلي الشعب يعيش. و اعود بالذاكرة الى شهر مضى من الزمن الى يوم ال “فالينتاينز داي” ذلك اليوم الذي اصبح فيه كل الشعب الاردني “حبَيبة” و اصبحت فيه اسعار الزهور و الشموع توازي اسعار المعدن الأصفر. و لكن اذا عدنا بالذاكرة الى الخلف قليلا لنراجع آخر الاحصائيات الصادرة عن دائرة قاضي القضاة للعام 2008 نرى ارتفاعا في حالات الطلاق و بشكل مأساوي اذ انه و في 4 اعوام فقط فقد بلغ مجموع حالات الطلاق 14347 حالة بكافة اشكاله. و الجدير بالذكر “بمناسبة يوم المرأة” ان قضايا الخلع المسجلة بحسب نفس التقرير في الاربع اعوام 2004-2008 قد بلغ ما مجموعه 6286 قضية. “يعني اللي بحكي انه المرأة مظلومة عنا بنحكيلو  انو شوف الارقام” و كأن المرأة الاردنية و بعد صراع طويل لأخذ حريتها و درجتها من المساواة لم تفز الا بحقها ب “الخلع” في مجتمع ذكوري بكافة معنى الكلمة. “ما علينا … المهم النتيجة انو الشعب ال “حبَيب” طلع بس شاطر بالحكي… و بعملك فيها “روميو و جولييت” و عند الجد… سلامة فهمكم”

من الامور الاخرى التي لاحظتها اليوم الاعداد المتزايدة من الناس المتواجدين في مراكز التسوق المختلفة “يعني الشعب مش طفران مثل ما بحكولنا” فما ان يرتفع سعر سلعة من السلع حتى “يدب عليها الشعب دب بلاش تغلى اكثر” و من هنا يتبين ان القوة الشرائية للشعب الاردني ما زالت قوية “ما شاء الله” بالرغم من التضخم السنوي الذي تجاوز 6.87% و ارتفاع اسعار السلع الرئيسية و الخدمات بنسب متفاوتة بين 2.4% و 20.6% بحسب دائرة الاحصائات العامة. و القوة الشرائية للمواطن من القوة بما كان حتى جعلت المواطن مستعدا لشراء اي شيء “حتى وحدة الدم صار المواطن يشتريها من بنك الدم و الي صار سعرها 15 دينار للوحدة” و هنا تخطر ببالي قصة اخرى و هي موضوع وحدات الدم التي اصبحت تباع و لها تسعيرة فأنا ارجح ان يكون السبب الرئيس “انو ارتفع سعر وحدة الدم عالميا و نظرا لنقص الموارد المحلية – ما تفهمونيش غلط انا قصدي انو المواطن الاردني دمو خفيييييييف مش انه معه فقر دم او ما عندو دم لا سمح الله – فكان يجب استيراد الدم من الخارج و هذا رفع سعرو”.  “يعني يا جماعة الخير على مين بنضحك… المواطن طفران و عايش عالدين و ما بدها ثنين يحكو فيها بس بالآخر الاسعار بترتفع اكثر و اكثر و المواطن المسكين ما بقدر الا انو (….) و يسكت… و يحكي… لو شو ما كان “بدنا نعيش” “

و بالنهاية أمر على خبر مؤلم و هو خبر “انهيار عمارة البيادر” رحم الله جميع ضحاياها و شفى جميع المصابين. هذا الخبر المناقض تماما للنهضة العمرانية التي قامت ببلدنا الحبيب من اعوام مضت. قراءة الخبر بحد ذاته بعد ان قرأت الأسباب المرجحة لإنهيار العمارة من نقص بالكميات المطلوبة و انتهاء الترخيص الممنوح للبناء وصولا الى ان المقاول المسؤول غير مسجل اصلا بالنقابة دفعني الى التسائل “هل المواطن الاردني مثقف لدرجة انه اصبح مقاولا بالفطرة .. يعني شو فايدة الواحد يدرس و يتعب حالو … ما كلو بيعرف يبني من الله و بدون دراسة ( بالفطرة ) فا بلا مهندسين بلا همَ” و السؤال الأهمَ الذي يطرح نفسه هو “هل ثقة الجهات المسؤولة عمياء بالمواطن المثقف و بان الكل بيعرف يبني (بالفطرة) لهالدرجة … يعني وين الاشراف الهندسي و النقابة و الأمانه و … و … الخ. و لا هم كمان صار عندهم مبدأ انه كل من صف حجرين فوق بعض صار مقاول؟”

و بالنهاية برجع بقول “كان الله في عون المواطن”

Advertisements

أضف تعليق

Filed under Fazlakat, قضايا شعبية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s